المحقق العراقي في ذكرى وفاته

img


ضياء الفقهاء والأصوليين الفقيه المحقق والأصولي المدقق الشيخ آغا ضياء الدين العراقي قدس سره
( 1278 هـ – 1361 هـ )

ولادته ونشأته :

ولد الشيخ علي المعروف بضياء الدين بن الشيخ محمد العراقي عام 1278 هـ بمحافظة أراك(عراق) في إيران، ونشأ في بيت علم حيث كان والده المولى محمّد العراقي من الفقهاء الأجلاَّء والعلماء الأتقياء .

دراسته وأساتذته :

كان والده أوّل أساتذته وشيوخه في العلم، كما درس الشيخ ضياء الدين على جماعة من شيوخ بلدته مقدمات العلوم، ثمّ سافر من مسقط رأسه إلى مدينة أصفهان التي كانت آنذاك مركزاً علمياً بارزاً والحوزة الأولى بعد حوزة النجف الأشرف، فدرس الفقه وأصوله وعلم الكلام لدى أعلامها البارزين في تلك الحقبة، أمثال: آية الله السيّد محمّد هاشم الجهار سوقي، و آية الله الشيخ أبو المعالي الكلباسي قدس سرهما، وقيل أنه حضر أيضاً عند آية الله المحقق الشيخ محمد باقر الأصفهاني نجل صاحب هداية المسترشدين.

ثمّ هاجر إلى مدينة النجف الأشرف وقد كان مجتهداً -كما نقل تلميذه الميرزا هاشم الآملي- ومع ذلك أكمل دراسته الفقهية والأصولية، فأدرك المحقق سماحة آية الله السيّد محمّد الفشاركي الأصفهاني(ت 1316) وحضر دروسه، وكذلك حضر عند آية الله الشيخ الميرزا حسين الخليلي، وآية الله السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، وآية الله شيخ الشريعة الأصفهاني، وشيخ الكفاية آية الله الشيخ محمّد كاظم الخراساني ولازمه كثيراً، وكان من مبرزي تلامذته، وفي هذا الصدد يقول العلامة آغا بزرك الطهراني: (ولا أزال أتذكر جيداً أنه كان من أجلاء تلامذة شيخنا الخراساني وكبارهم، ومن مدرسي السطوح المعروفين يومذاك).

تدريسه وتلامذته :

تصدَّى لتدريس السطوح العليا والبحث الخارج في الفقه والأصول أكثر من ستين عاماً، وقد بدأ بتدريس البحث الخارج بالشكل المنتظم بعد وفاة أستاذه الآخوند أواخر سنة 1329هـ واستمر أكثر من ثلاثين عاماً، وبرز في التدريس، وكان مجلس درسه حافلاً بفضلاء عصره، لِما اشتمل عليه مِن دِقَّة الرأي، وعمق النظر، وسَداد التفكير، وسلامة الذوق الفقهي، والإحاطة بكلمات الفقهاء، وقد تخرج على يديه ما يقارب ثلاثة آلاف من العلماء والمجتهدين كما ينقل ذلك الميرزا الآملي، وكثيرٌ منهم أصبحوا من مراجع الطائفة وفقهائها البارزين، نذكر منهم لا على سبيل الحصر:

آية الله الشيخ محمد تقي البروجردي- آية الله الميرزا هاشم الآملي- آية الله السيّد محسن الحكيم- آية الله السيّد أبو القاسم الخوئي- آية الله السيد محمد هادي الميلاني- آية الله السيّد أحمد الخونساري -آية الله السيّد محمود الشاهرودي- آية الله الشيخ حسين الحلّي- آية الله السيّد عبد الهادي الشيرازي- آية الله السيد حسن البجنوردي-آية الله الشيخ محمد طاهر آل راضي- آية الله السيد عبد الأعلى السبزواري- آية الله الميرزا محمد باقر الزنجاني-آية الله السيد يوسف الحكيم-آية الله السيد مرتضى الخلخالي – آية الله الشيخ محمد رضا المظفّر. رحمهم الله جميعاً.

صفاته وأخلاقه :

كان الشيخ العراقي معروفاً بالتواضع، وطيب الأخلاق، وخِفّة الروح، والابتعاد عن التكلّفات التي يلتزم بها من شأنه مثله في الفقاهة والعلم والزعامة الدينية، وكان تلاميذه يحبونه بسبب هذه البساطة في المعاشرة، وكان يشعر تلاميذه تجاهه بعلاقة أعمق وأوسع من علاقة التلمذة، فقد كان أستاذهم وصديقهم في وقت واحد، فكان إذا رقى منبر الدراسة يهيمن على عقولهم وأفكارهم، وكانوا يصغون إليه باحترام، فإذا نزل من المنبر وجلسوا إليه أنس بهم، وأنسوا به، وبادلهم النكت والطرف، ويحفظ له تلاميذه نكتاً ظريفة كثيرة.

قال آغا بزرك الطهراني رحمه الله: قد كان في مجلس درسه ميزة خاصة بين معاصريه، فقد كان يمثّل الحرية الفكرية بأجلى مظاهرها، فقد كان الوحيد الذي يقبل كل مناقشة من تلامذته مهما كانت بسيطة أو متطرفة حتى ضرب به المثل في سعة الصدر وكان بذلك مثالاً لأساطين العلم من السلف، وهو في الحقيقة بقية السلف في مواهبه العظيمة وملكته النادرة.

إطراء العلماء عليه:

1-قال السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي: خاتمة المحققين المدققين، وبقية الفقهاء والأصوليين، الشيخ ضياء الدين العراقي، كان أعلى الله مقامه قدوة كل ممعن في التنقيب، ومتقص من رواد العلم في التدقيق، يخوض في عباب العلوم فيجلو لهم غوامضها، وبهذا كانت حوزته أوسع الحوزات العلمية.

2-قال الشيخ آغا بزرك الطهراني: مجتهد محقق، من أكابر علماء عصره… وقد عُرف منذ أوائل أمره بالذكاء المفرط والنبوغ المبكر… وذاع اسمه في الأوساط العلمية العالية، وقرن بكبار المدرسين وأجلاء العلماء، وعُرف بالتحقيق والتدقيق وأصالة الرأي وكبر العقلية، وغزارة المادة والإحاطة بآراء السلف، وكان مجلس درسه مفضّلاً على غيره من نواحي عديدة ولا سيما في علم الأصول الذي اشتهر به وتفوّق، وقد اعترف له بالعظمة العلمية والموهبة العقلية والملكة النادرة فحول العلماء من معاصريه والمتأخرين عنه… وهو من المجددين في علم الأصول بحق.

3-قال السيد محمد مهدي الكاظمي في كتابه أحسن الوديعة: ..فاق علماء زمانه بلطافة البيان وفصاحة اللسان، وجودة التقرير وحسن التحرير، فهو نادرة الأيام في إفحال فحول المحققين وقت الخصام بأقطع الإلزام، وجامع أشتات العلوم، والمبرز في المنقول منها والمفهوم، ترك الدنيا وراء ظهره، وأقبل على الله يعامله في سره وجهره.

4-قال الشيخ محمد حرز الدين: كان عالماً متكلماً أصولياً، وقد برع في علم الأصول حتى تخصّص به وأبدع، وأصبح المدرس الوحيد بالنجف في علم الأصول فحسب، تحضر بحثه الأفاضل والطلبة المحصلون، وكان حراً بطبعه وآرائه ومجالسه.

5-قال السيد محسن الأمين العاملي: يعتبر من بقية علماء السلف المعروفين بغزارة العلم وسعة العقلية، كما يعتبر المعلَّم الأوّل بحق للعلوم الدينية ولا سيما الأصول.

مؤلفاته : نذكر منها ما يلي :

طبع له:
*شرح تبصرة المتعلمين في خمس مجلدات، خرج منه العبادات والمتاجر وشيء مما بعدها * مقالات الأُصول طبع في مجلدين *رسالة في استصحاب العدم الأزلي * رسالة في اللباس المشكوك * كتاب القضاء* روائع الأمالي في فروع العلم الإجماليتعليقة استدلالية على العروة الوثقىتعليقة على فوائد الأصول وهو تقريرات بحث المحقق النائيني قدس سره *رسالة في تعاقب الأيدي.

كما قرر تلامذته أبحاثه في الفقه والأصول، ومن أشهر ما قُرر له وطبع:

*حاشية المكاسب، من تقرير الشيخ أبو الفضل النجم آبادي.

*كتاب الرهن، من تقرير الميرزا هاشم الآملي، طُبع مؤخراً في طهران بتحقيق واهتمام السيد مصطفى المحقق الداماد.

*نهاية الأفكار في الأصول (3 مجلدات)، من تقرير الشيخ محمد تقي البروجردي.

*بدائع الأفكار في الأصول، من تقرير الميرزا هاشم الآملي.

*تنقيح الأصول، يتشمل على مباحث الحجج والأصول العملية، من تقرير السيد محمد رضا الطباطبائي التبريزي.

*تحرير الأصول، يشتمل على مباحث الألفاظ، من تقرير الشيخ مرتضى المظاهري الأصفهاني.

*قاعدة لا ضرر ولا ضرار، من تقرير السيد مرتضى الخلخالي.

*منهاج الأصول (5 مجلدات) إلى نهاية الاستصحاب ولم يتضمن هذا التقرير مباحث التعارض والاجتهاد والتقليد، وهو من تقرير الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي من أحفاد الشيخ الكلباسي المعروف بصاحب الإشارات في الأصول، وهذا التقرير يمثّل الدورة الثالثة أو بعض الدورات المتوسطة من دورات المحقق العراقي حيث شرع فيها في شهر ذي القعدة سنة 1341هـ ووصل إلى نهاية مبحث البراءة في شهر شعبان سنة 1345هـ، وشرع بعدها في الاستصحاب ومنه يمكن تخمين أن دورته الأصولية تستغرق خمس سنوات ونصف تقريباً.

وفاته :

توفّي الشيخ العراقي قدس سره في ليلة الاثنين الثامن والعشرين من ذي القعدة 1361 هـ بمدينة النجف الأشرف، ودُفن في الحرم الحيدري الشريف.
وقد أرخه بعض الشعراء:
بلوعة أرخته: قد دجى — بعدَ ضياءٍ أفقُ العلم

الكاتب ya fatima

ya fatima

مواضيع متعلقة

اترك رداً