السيدة زينب عليها السلام من حضن القرآن.

img

في بحر ميلاد السيدة زينب (ع) نجد أنفسنا تتوق للتعرف على هذه المرأة التي تفردت بكونها تربّت في حضن علي وفاطمة (ع) ورضعت من إبهام رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين. ولا يجد المتعطش لمعرفتها وسيرتها في المأثور والمنثور ما يروى كبده، ولا قلبه الصادي، إلا قليلا ممّن وفى لرعاية الحق فيها صلوات الله وسلامه عليها. ومع ذلك فهناك من المسلمات والثوابت ما يجزم به العارف بشأنها والمتتبّع لآثارها.

لقد كانت السيدة زينب (ع) أشبه امرأة بأمها الزهراء (ع)، فهي محدَّثة وصغيرتها المحدِّثة، والمنبع والمستقى واحد والساقي عين فوّارة. وحيث أن مصدر معارف وتلقّي هذا البيت الطاهر هو القرآن الكريم، فلاشكّ أن للصديقة الصغرى نصيب كبير من ذلك، انعكس على أفعالها وأقوالها ورؤيتها للأحداث التي تجري حولها. فمن حياض القرآن تنهل ومنه تلهَم وتفرِغ، وكأنك إذا طبّقت الآية التي تستشهد بها أو تتلوها شعرت أن سبب نزول الآية تأخّر عن الكلمات الإلهية وعن الآيات الربانيّة! أو تقدّمت الآيات زمانا ووقع تطبيقها عيانا في الخارج، فهي عليها السلام تقرأ الآيات وتطبقها كانطباق الشمس على ضياء النهار، أو النور على ضياء القمر، أو الماء في مجرى النهر، أو الظلام في حلكة الليل، أو اللفظ على قالب المعنى، وبتعبير أدقّ كما يجري الخيط في النسيج. أو بتعبير عقلي خارج عن الحس: كما تجري الحدود في الموجودات المخلوقة فتخال أنّهما شيئا واحدا.

نعم هذه خصوصية القرآن، كلام الله الأبديّ الدائم، ولكن ليس باستطاعة كل لإنسان أن ينطق بالآيات القرآنية ويستشهد بها حين وقوع تأويلاتها بحيث تتطابق كامل الانطباق، أما زينب (ع) فلأن الآيات القرآنيّة هي نطفتها وطينتها ورضاعتها وحاضنتها عليها السلام.
قالت عليها السلام تخاطب أهل الكوفة: “إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم”

إن الأحمق عين الأحمق هو من يبذل وسعه ويسعى سعيه وجهده للوصول إلى هدفه المنشود، ويتحمّل التضحيات ويصبر على الشدائد ويقتحم العقبات الكؤود، ثم ما إن تبدأ نتائج أتعابه بالبزوغ، وتظهر آثار قوّته ويأخذ نسيجه شكله المرجوّ؛ حتى ينقض عمله ويهدم ما بنى ويخرب الذي أفنى وقته وفكره وجهده لأجله.
هنا نتصور خسارتين:
1. أنه لم يصل لهدفه ولم يسكن ما عمره ولم يحقّق غايته.
2. أنه صرف وقته وجهده وطاقته وانتهى عمره وأتعب نفسه. فهو ليس كالكسل والجبان والجاهل بالصنعة. بل هو يعرف الغزل.. لكنه – والعياذ بالله – أحمق. والكسل يعالج والجبان يروض، إلا الحماقة أعيت من يداويها!
لم تذهب زينب عليها السلام للكوفة لتقرأ على أهلها قرآنا، بل أُخذت أسيرة فقرأت حال وأخلاق وواقع أهل الكوفة، لكن بآيات ربّانيّة. ولنا أن نتصوّر اندكاك السيدة زينب(ع) في حقائق القرآن، واندكاك حقائق القرآن في وعيها وقلبها، كما يندكّ الوجود في الحدود، فتأتي الصورة متداخلة، وكما يسري الماء في النهر فتراه واحدا، وكما يذوب السكر في الماء فيصبح حلوا …فحين تؤوّل عليها السلام آيات الله فيهم فأنت لا تدرك هل بيّنت عليها السلام معنى الآية بالواقع، أم شرحت الواقع بالآية! لا فرق، لأنها ترى ثمّ تعي ثمّ تتحدّث (عالمة غير معلّمة).
وعلينا ألا نتصور أن هذه القراءة تختص بأولئك القوم، فكم رأينا أقواما ومجتمعات وحركات وزعامات وأفراد وعلاقات وصداقات، يبذل فيها الناس شطرا كبيرا وجهدا كثيرا ويتحمّلون اللوم والمتاعب ويقتحمون الموانع ويتخطّون العوائق ويمانعون الظلمة ويسجنون ويعطون التضحيات ويؤثرون ويحلمون على الصديق ويتحمّلون أعباء الإصلاح، حتى إذا كادت الأمور أن تستوسق والنتائج تظهر، انقلبوا على أتعابهم! ينفقون مراهقتهم وشبابهم في جهاد الأهواء وإذا شاخوا غلبهم ما ضعف فيهم وصرعهم ما غلبوه. فكم نسمع من يقطع علاقة تحمّل فيها واحتمل الإخلاص سنوات، ويترك عبادة وطاعة كانت هي إكسير الحياة عنده، وحين تسأله عن المبرّر للقطيعة وقد برزت زهرة أتعابه، يتمثل بالمثل المعروف: إنّها القشّة التي قصمت ظهر البعير!
واذا كان البعير معذورا، وكانت تنفذ طاقته من أوّل حمل يوضع عليه، فهل الإنسان الذي منحه الله طاقة حمل كل الفضائل وتحصيل كلّ الكمالات معذور؟
من الواضح أن الآية لا تتحدّث عمّن قام بجهد خاطئ ثم تراجع عنه، فهذا ممدوح ومحمود. الآية تتحدّث عمّن سار على منهاج صحيح ثم بسبب واه غيّر نهجه!
تتحدث عمن صنع تاريخا نظيفا، ووضع يده بيد رسول الله وبايعه وتحمل أتعاب الهجرة وترك مسقط رأسه.. ثم، وبحفنة تراب نقض ما غزل!
تتحدث عمن درس ليلا طويلا بجهد وجد، ثم في الامتحان .. سلّم الورقة بحماقه فارغة أو مهينة.
تتحدث عمن تحمل مواجهة الظالم زمنا طويلا … ثم غير منهجه!

أما مورد تطبيق السيدة زينب عليها السلام فهو تجسيد الآية بعينها، فأهل الكوفة اقتحموا عقبات كؤوداً وتخطوا صعابا كثيرة سقط فيها غيرهم. وكانوا في يد علي عليه السلام كالعجينة يقبضها ويبسطها.
وأهمّ حجرين تخطاهما أهل الكوفة هما:
1. الثعالبة المتلوّنون بلا توقّف، في حراك وتغيير وتبديل للأقنعة والقناعات والرؤى بشكل دائم. أشرون، بطِرون مكّارون كمعاوية وعمر بن العاص، تراهم كل يوم في حراك جديد ومكر جديد وكسرويّة منظّمة مقنّنة ومقنّعة بإسلام روميّ.
2. الخرافيّون الجامدون. وهم عكس الصنف الأوّل تماما. ولنسمّيهم ما سمّاهم به القرآن ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً﴾ عقل الحمار بالنسبة للمفاهيم والرؤى والمعارف والعلوم جامد. حتى لو حمل المعاني على ظهره وأتعب نفسه. فلا صلة بينه وبين مضمونها أصلا.
هؤلاء الحمير (بتعبير القرآن) صنف آخر واجه مشروع أمير المؤمنين (ع)، وهم قوم يتحملون أتعاب العبادة والسلاح وغيره ولكن بلا عقل. لذا وصفهم القرآن بأنهم مثل الحمار، الفارق بين الحمار والإنسان هو العقل. يقول أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي ما مضمونه: إن وصف القرآن لأقوام بأنهم كالحمار أو كالكلب أو أنهم أضل من الأنعام هذا ليس وصفا تحقيريا بل فهو وصف تحقيقي بعد النظر في بواطنهم لأن القرآن من أوله إلى آخره في منتهى الأدب، وهو كتاب تحقيق لا كتاب تحقير.

كما جاء في تفسير سماحة الأستاذ الشيخ الجوادي لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ النبأ: 18 أن القرآن يقول افتحوا بصيرتكم وبصركم الباطني سترون الحيوانات حولكم، وإذا لم تتمكنوا من ذلك فانتظروا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا. ونفس هذا المعنى نقل عن الإمام الباقر(ع) حين مسح على عين أبي بصير فرأى أن أكثر الطائفين حول الكعبة هم على صور الوحوش والحيوانات.

وحيث أن مشروع الإمام عليّ (ع) كان مشروع بناء مجتمع قويّ فعّال عادل إلهيّ فلابدّ من حرب الثعالب والحمير! فبهم لا تقام حكومة حقّ، ولا يمكن أن يكونوا حلقة في سلسلة حلقات إقامة العدل.
وفعلا بذل أهل الكوفة الجهد والطاقة والحول والقوّة والمال، وأعطوا التضحيات في سبيل مشروع علي، فلما جاءت الحلقة الأخيرة من إقامة المجتمع المنشود في أحسن ظرف وأفضل فرصة وأعدّت العدّة وجاهر بنو أميّة بثعلبيتهم، وأظهر الحمير جهلهم، وعبر أفاضل الأمة بقيادة أهل البيت (ع) كلّ نقاط المخاطر، في حين نشر يزيد عيونه وأمر بأن يقتل الحسين (ع) ولو كان متمسّكا بأستار الكعبة! فحينما تجاوز عليه السلام كل هذه المجاوز والمفاوز والمخاطر ونزل بأقرب منطقة من أهل الكوفة، نقض أهل الكوفة بيعتهم وخذلوا سادتهم ومواليهم!
المسألة ليست جبنا فقط، فقد كان أهل الكوفة أشدّاء، وليست ثعلبية، وليست غباء، بل كانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا! هذا فقط ما يصحّ أن يقال لهم.
ونحن من هذا الموقع، وبهذه المناسبة، ينبغي أن نسأل: لماذا لا تكتمل مشاريعنا الاجتماعيّة؟ لماذا يحدث انقلاب في الروابط والعلاقات والمؤسّسات؟ لماذا نتقاتل ونحن أمّة واحدة؟
والجواب: إن السبب إمّا لثعلبيّة أو حماريّة أو لأننا نعمل وننقض، إلّا القليل ممّن وفى لرعاية الحق.

وأنا من هذا المنبر أدعو نفسي والأخوات المؤمنات أن نكون جماعة زينبيّة، ننفض عنّا مواصفات أشكال الأحزاب من المتخاذلين والناقضين للوعود والعهود ، والحمقى الذين يعملون بقوّة واقتدار ومهارة ثمّ ينقضون ذلك أنكاثا، وأن نتطهر من حيل المحتالين وغباء وبلادة القشريّين، وجمود وبرودة المتخلفين. ولنكن ممرضات لأنفسنا أوّلا، ولأسرنا ولمجتمعاتنا ثانيا. ويجب أن نفهم أنّ أغلب كلمات وخطب أمير المؤمنين (ع)، سواء في جيشه أو في الناس أو في عدوه، والتي يبدو لنا فيها تعنيف أو توبيخ، إنما كانت لتطهير جيشه وناسه ومجتمعه من الحيوانية، ولتغيير نفوسهم ﴿نَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأَنفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11. فالتعليم والتربية والتثقيف والتوجيه وتبيين الآيات وتفسيرها علميا وعمليا أول شرائط الحاكم العادل، فأقواله عليه السلام كلها مقدّمات لإقامة مجتمع إنسانيّ خال من الثعالب والحمير…لأن هؤلاء يتحوّلون إلى أحزاب مفسدة، ولا شكّ أنّ تخليص المجتمع من هذه الأحزاب يمرّ بمراحل وأحداث شاقّة وصعبة. ولا يقوم بهذا الدور غير مجتمع وأنصار يتوقون للشهادة والتضحيات الجسام.

كان في عليّ (ع) كلّ المؤهلات التي تجعل حكومته منصّبة من الله، ولكن كان لابد من تواجد ولكن الأنصار والاتباع على طول الطريق، أشداء على الباطل، رحماء بينهم.
والحمد لله رب العالمين.

الكاتب ya fatima

ya fatima

مواضيع متعلقة

اترك رداً